الخطيب الشربيني
126
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أَمْ لِلْإِنْسانِ أي : كل إنسان منهم ما تَمَنَّى أي : من اتباع ما يشتهي من جاه ومال وطول عمر ورفاهة عيش ، ومن أن الأصنام تشفع له ليس الأمر كذلك . فَلِلَّهِ أي : الملك الأعظم وحده الْآخِرَةُ فهو لا يعطي ما فيها إلا لمن تبع هداه وترك هواه وَالْأُولى أي : الدنيا فهو لا يعطي جميع الأماني فيها لأحد أصلا كما هو مشاهد ولكنه يعطي منها ما يشاء لمن يريد وليس لأحد أن يتحكم عليه سبحانه في شيء منها . وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ أي : كثير من الملائكة أي ممن يعبدهم هؤلاء الكفار ، ودلّ على زيادة قوّتهم بشرف مسكنهم ، وهو قوله تعالى : فِي السَّماواتِ أي : وهم في الكرامة والزلفى لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ أي : عن أحد من الناس شَيْئاً ثم قصر الأمر عليه ورده بحذافيره إليه بقوله تعالى : إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ أي : يمكن ويريد اللَّهُ أي الملك الذي لا أمر أصلا لأحد معه لِمَنْ يَشاءُ من عباده من الملائكة أو من الناس أن يشفع وَيَرْضى أي : ويراه أهلا لذلك فكيف تعبد الأصنام مع حقارتها لتشفع لهم . إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي : لا يصدقون ولا يقرّون بالبعث وغيره من أحوال يوم القيامة لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ أي : كل واحد منهم تَسْمِيَةَ الْأُنْثى بأن سموه بنتا ، وذلك أنهم كانوا يقولون : الملائكة وجدوا من الله تعالى فهم أولاده بمعنى الإيجاد ، ثم إنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث وصح عندهم أن يقال : سجدت الملائكة فقالوا بنات الله فسموهم تسمية الإناث . فإن قيل : كيف يقال إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، وكان من عادتهم أن يربطوا مركوبا على قبر من يموت ويعتقدون أنه يحشر عليه أجيب : بأنهم ما كانوا يجزمون به بل كانوا يقولون لا حشر فإن كان فلنا شفعاء بدليل ما حكى الله تعالى عنهم : وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [ فصلت : 50 ] وبأنهم ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه الذي وردت به الرسل فإن قيل : كيف قال : تسمية الأنثى ولم يقل تسمية الإناث أجيب بأن المراد بيان الجنس وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لمؤاخاة رؤوس الآي . وَما أي : والحال أنهم ما لَهُمْ بِهِ أي : بما يقولون ، وقيل : الضمير يعود إلى ما تقدّم من عدم قبول الشفاعة وقيل : يعود إلى الله تعالى أي ما لهم بالله تعالى مِنْ عِلْمٍ ثم بين تعالى الحامل لهم على ذلك بقوله تعالى : إِنْ أي : ما يَتَّبِعُونَ أي بغاية ما يكون من شهوة النفس في ذلك وغيره إِلَّا الظَّنَّ أي الذي يتخيلونه وَإِنَّ أي : والحال أن الظَّنَّ أي : مطلقا في هذا وفي غيره ، ولذلك أظهر في موضع الإضمار لا يُغْنِي أي إغناء مبتدأ مِنَ الْحَقِّ أي : الأمر الثابت في نفس الأمر الذي هو حقيقة الشيء وذاته بحيث يكون الظن بدله والظن إنما يعتبر في العمليات لا في العلميات ولا سيما الأصولية شَيْئاً أي : من الإغناء عن أحد من الخلق فإنه لا يؤدّي أبدا إلى الجزم بالعلم بالشيء على ما هو عليه في نفس الأمر فهو ممنوع في أصول الدين ، فإنّ المقصود فيها تحقيق الأمر على ما هو عليه في الواقع ، وأما الفروع فإنّ المكلف به فيها هو الظن لكن بشرطه المأذون فيه وهو ردّه إلى الأصول المستنبط منها ، لعجز الإنسان عن القطع في جميع الفروع تنبيها على عجزه وافتقاره إلى الله تعالى ليقبل عليه ويتبرأ من حوله وقوّته ليكشف له عن الحقائق . ولما أن أصروا على الهوى بعد مجيء الهدى سبب عن ذلك قوله تعالى : فَأَعْرِضْ أي :